إن الجهود الجبارة في غزو الفضاء من قبل كل من روسيا اليوم (السوفيت سابقا) ومن الولايات المتحدة ، كانت العصب الأساسي والجهة الوحيدة التي تعنى في هذا المجال وعلى درجة كبيرة من الاعتماد عليها كمصدر " أوحد" في الرحلات والمشاريع الفضائية .
حتى المشاريع والدراسات الفضائية وكل ما يتعلق في مجال الفضاء ، كانت تقدم من قبل هاتين الدولتين . فلا توجد دراسة أو بحث علمي في مجال الفضاء والفلك إلا وكان يتم تقديمه من قبل روسيا أو الولايات المتحدة آخذين على عاتقهم الوصاية الكاملة في رحلات وأبحاث الفضاء والفلك عن البشرية جمعاء .
وفي نفس الوقت الدولتين اللتان قدمتا الخطوات الأولى والمنهج الأول في بناء علم فضائي متكامل ، فبنفس الوقت نلاحظ أنهما يشكلان التأخير المعاصر الذي نعيشه اليوم في تقدم علوم الفضاء والفلك ومنه تأخر غزو الإنسان للفضاء !
ربما البعض يرى بان هناك شيء من التناقض في هذا الموضوع ..!! ببساطة ان العصر الذي نعيشه اليوم هو مختلف كليا عن عصر انطلاق رحلات الفضاء منذ 60 عام بل الجهة التي تعتبر الوصية على الأرض في رحلات الفضاء باتت غير قادرة على تحمل هذه المسؤولية لاعتبارات عديدة . فكم من المشاريع التي تم تأجيلها لأسباب اقتصادية أمريكية ؟ وكم من برامج فضائية أجلت لأسباب عسكرية أيضاً ؟ هذا على الصعيد الأمريكي.
أما على الصعيد الروسي ففترة انحلال الاتحاد السوفيتي التي تتراوح بين مرحلتين اثنتين ( قبل السقوط إلى بعد السقوط إلى مراحل متأخرة من وقتنا هذا ) تسببت بالكثير من التأخر في مشاريع الفضاء ، فهناك كم من المشاريع العديدة تم إلغائها لقصور اقتصادي ، والمشاريع التي نجت منها تم تأجيلها ! ناهيك عن ضياع ارث كبير هو المحطة ميير لنفس الاعتبارات ! بل لاعتبارات أكثر وأعمق.
وبصريح العبارة إن الإرث البشري الكبير في الفضاء أصبح في مهب الريح ، بل أخذ التحكم به من قبل أيدي سياسية او اقتصادية دون النظر للبعد الحضاري للبشرية ككل ومدى أهميته أيضا .
ا
ن هذا المشروع ( مشروع البرلمان الفضائي ) هو باختصار إعطاء صفة "الأممية للمشاريع الفضائية وإعطاء القرار لإحداث ودراسة مشاريع فضائية لجهة مستقلة سياسيا واقتصاديا عن أي وكالة أو دولة أو حكومة ، ان هذا البرلمان هو الحل الوحيد للخروج من الجمود الكبير في مشاريع الفضاء الذي استغرق أكثر من 40 سنة .
وبشكل آخر هو إنشاء مؤسسة مستقلة سياسيا وإداريا عن كافة وكالات الفضاء في العالم ، وعن كافة الحكومات العالمية ، مؤسسة مستقلة قولا وفعلا تقوم هذه المؤسسة وهي البرلمان الفضائي بضم أعضاء من خيرة المهندسين وعلماء الفضاء والفلك ، يقوم البرلمان أو هذه المؤسسة ( أياً كان اسمها ) بوضع جدول زمني دقيق لكل مشروع فضائي على حِدَه ، ودراسة المشاريع الفضائية بناءً على خطة بشرية دون مخطط لوكالة فضاء تنظر من خلال منظار ضيق همها الوحيد رفع علم او راية ا واثبات وجود في الساحة الفضائية ليس أكثر.
فمثلا : وضع جدول زمني لاستعمار القمر ، يتم من خلاله أيضا وضع مراحل تنفيذ هذا المشروع ، ويتم عرضه بوضوح ، وإعطاء الصلاحية لكافة دول العالم بالمشاركة في هذا المشروع ، فهناك دول قوية اقتصادياً يمكنها التنسيق مع احد الشركات الخاصة لتنفيذ احد هذه المراحل من المشروع ، وهناك دول تمتلك التقنية فقط ، وهناك دول تمتلك وكالات فضاء ، فبشكل فسيفسائي عالمي أممي يتم تنفيذ برامج الفضاء العالمية بدقة وبدون تأخر وبجدول زمني لا شيء يعيقه من العوائق السابقة ، سواءً الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية.
لتحقيق نتائج فاعلة والخروج من الانقطاع الذي نحن فيه من المشاريع الفضائية منذ 40 سنة إلى الآن . ومن أجل الوصول الى هذه النتائج الفعالة والمجدية ، فلابد أن يتم اخذ اجراءات عملية ، منها :
1- إيقاف كافة البرامج الفضائية العالمية التي تقوم بها الدول و وكالات الفضاء في هذه الدول وحصرها في البرلمان الفضائي فقط .
2- الوكالات العالمية القديمة والجديدة والواعدة ، تنتظر المراحل التي سوف يتم إملائها عليها من البرلمان الفضائي بدلا من التصرف بفردية واستقلالية من قبل نفسها.
3- لا دراسة تتم لأي مشروع فضائي إلا عن طريق برلمان الفضاء العالمي . فهذه الفردية في برامج الفضاء العالمية التي تخسّر الإنسانية المال والوقت عبر الزمن الطويل آن الأوان لكي نخرج منها ، فكم من مشاريع تتكرر بين فترة وفترة ؟ وكم من مشاريع يعاد تنفيذها من قبل وكالة فضاء جديدة ، بدلاً من أن تكون برامج الفضاء العالمية مكملة بعضها البعض.
فعلى سبيل المثال لا الحصر :
1- إرسال مسبار فضائي إلى القمر : هذا الاجراء تكرره كل وكالة فضاء جديدة و واعدة تمتلك التقنية والمال والخبرات الجديرة بالسير قدما بمشاريع الفضاء! فبعد تنفيذ هذا الأمر سوفيتياً تم إرسال مسبار أمريكي ! وفي أيامنا هذه الهند أرسلت ! ومن ثم كوريا الجنوبية ! وقبل ذلك الصين بتكلفة جماعية لا تقل عن 5 مليارات دولار !.
2- إرسال رائد فضاء خارج الغلاف الجوي وإعادته سالماً : كافة الوكالات الجديدة تلوح بهذا الأمر ، وكأنه غاية او إثبات وجود ، أو مهمة تقليدية على كافة وكالات الفضاء الجديدة القيام بهذه الحركة التي تكلف المال والوقت الكبيرين ، ونحن كبشر وكخط بياني تقدمي لمشاريع الفضاء لا يقدم هذا الأمر لنا شيء! .
أيضا يمتاز البرلمان الفضائي بأنه سيشكل سوق مفتوح لتكنولوجيا الفضاء وإطلاق المجال للشركات الخاصة العاملة في هذا المجال بشكل أوسع وتسهيل أكبر ، وفتح المجال لهذا النوع من الشركات في المشاركة في برامج الفضاء المستقبلية.
العضوية في البرلمان الفضائي :
يحق للعاملين والهواة في مجال الفضاء والفلك في مراصد ومراكز أبحاث و وكالات الفضاء في العالم أجمع أن يرشحوا أنفسهم لعضوية البرلمان الفضائي العالمي ، ويتم فتح باب الاقتراع في صناديق الكليات والمراصد والوكالات ويتم التصويت فقط للأعضاء العاملين والدارسين والهواة في هذا المجال ، وذلك لاختيار النخبة من ساحة الفضاء والفلك .
مهام البرلمان الفضائي:
إن أعضاء "برلمان الفضاء" على عاتقهم مهام عديدة منها :
1- وضع الهدف الاساسي من غاية البشرية من علم الفضاء وعلى أساسه يتم تسخير كافة الإمكانيات الموجودة في الارض لتنفيذها .
2- وضع جدول زمني دقيق لتنفيذ هذه المشاريع وتقديم دراسة مالية لها .
3- عرض هذه المشاريع على وكالات الفضاء في العالم وعلى شركات خاصة متواجدة في السوق الفضائية ، وعلى دول تمتلك المال وترغب في المشاركة للحصول على شرف وضع علمها في المشروع المنفذ .
مشاريع الفضاء التي كانت تدرس من قبل وكالة فضاء واحدة ومن قبل لجنة مهندسين من طرف نفس الوكالة والتي بدورها كانت تقوم بالحكم على المشاريع من منظور ضيق المساحة ، فتلك لبمشاريع سيختلف أمرها من جانب البرلمان الفضائي ، فالمشاريع سوف تُختار من قبل مهندسين ينتخبون من كافة دول العالم وستشكل لجان أوسع بكثير ليتم الحكم على المشروع من جانبه العلمي دون الحكم الشخصي على المشروع ، فكم من مشاريع رفضت في وكالات فضاء عالمية لأسباب شخصية او لاعتبارات مالية .
آن الأوان لكي نفكر في مستقبل البشرية في الفضاء بعقل واحد ، وندير مشاريعنا بإدارة واحدة ، فالوقت يداهمنا والموضوع ليس ببسيط ، انه مصير البشرية في الفضاء !
م.محمد نسب
عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك
عضو جمعية هواة الفلك السورية
مدير المكتب الإعلامي لجمعية هواة الفلك السورية
( تم القاء هذه المحاضرة بشكل موسع في مؤتمر الخرطوم لعلوم الفضاء والفلك 17/11/2009 )