خريطة الموقع  
الوكالة العربية لأخبار الفلك والفضاء

مطالع الشمس والأحكام المترتبة عليها   «^»  مصطلحات قمرية   «^»  حقائق عن القمر والشهر القمري   «^»  مركزية مكة المكرمة و التوقيت العالمي  «^»  كيف يتكون الشهر القمري ؟  «^»  حاجة الفلكي للعلم الشرعي  «^»  حاجة الفقيه والقاضي لعلم الفلك  «^»  الغاية من علم الأهلَّة   «^»  علماء فلك أم منجمون ؟   «^»  تعليق: إكتشاف الفضاء هو طموح صيني شرعي وسلمي جديد المقالات
الصاروخ "فيجا" يستعد لاول رحلة له  «^»  العلماء على وشك اختراق حاجز "الصوت الحياتي"  «^»  الباحثون يلقون القبض على من تسبب بالأحداث التي جرت في أوروبا  «^»  مجريات المؤتمر الفلكي العاشر  «^»  إفتتاح المؤتمر العربى العاشر لعلوم الفضاء والفلك بمسقط  «^»  نجاح محاولة ابتكار أكبر مرآة في العالم   «^»  علماء يتوقعون تحرك اكبر كتلة جليد على وجه الأرض  «^»  الاستعداد لوضع خطط لرحلات قمرية مأهولة  «^»  ظاهرة جديدة: مطر هلامي أزرق  «^»  اكتشاف أفضل كوكب حتى الآن مناسب لوجود مياه وربما حياة جديد الأخبار

المقالات
الخيال العلمي
القطاع 9 .. خيال علمي

أشرف إحسان فقيه

تنبيه: لن تفضح هذه التدوينة مفاجآت الفيلم.. ولن تفسد عليك متعته
لنتخيل أنك كاتب خيال علمي.. صعبة؟.. بلاش!
لنتخيل إذاً أنك تعرف كاتب خيال علمي. وأنه قد اتصل بك يوماً متحمساً ليخبرك عن فكرة قصة “رهيبة” لمعت في ذهنه.. بل وتصلح سيناريو لفيلم سيكسّر الدنيا! طبعاً أنت ستسأله عن محور القصة.. عن هذه الفكرة الجديدة تماماً. لأنك، ولِحد علمك، قد مللت من التيمات المكرورة أبداً لقصص الخيال العلمي: الكائنات الخضراء من المريخ، سفر الإنسان إلى المريخ، السفر عبر الزمن من وإلى المريخ.. ناهيك عن الروبوتات المصنّعة في المريخ! هكذا فأنت وبصفتك متعاطفاً مع هذا الجنس الأدبي ستهتم جداً لمعرفة الـ “Twist” الجديدة التي تفتق عنها ذهن صاحبنا.

لكن صاحبك سيفاجئك بأن قصته مبنية على تخيل وصول مركبة فضائية ضخمة من أعمق أعماق الفضاء.. عليها كائنات فضائية مرعبة. سيقول ذلك.. ثم سيسكت.

أنت هنا أمام خيارين: إما أن تنتظر بصبر ليكمل الرجل جملته.. وكلّك أمل بألا تكون هذه مزحة سخيفة. وإما أنك لن تنتظر في صبر.. وستنفجر في وجه كاتب الخيال العلمي السخيف هذا والذي اختار أكثر تيمة “محروقة” في تاريخ الأدب ليستخف بعقلك.

الذي فعله منتجو فيلم (القطاع ٩ – District 9) هو هذا الموصوف أعلاه بالضبط. لكنك لن تملك بعد نهاية الفيلم.. وفي أثنائه ومنذ دقائقه الأولى أيضاً إلا أن تنبهر وتتشوق وتستمتع تماماً.. كما أنك ستنشغل في استنباط العبر وفي تأمل الاسقاطات الإنسانية والسياسية من هكذا فيلم قائم وبالكليّة على تيمة “غزاة الفضاء” المستهلكة.. لكن في قالب جديد تماماً وأصيل.

ولا تدع السطرين أعلاه يغشيان بصيرتك عن الواقع. هذا فيلم ذو عناصر تقليدية إلى أبعد حد: في فكرته المذكورة آنفاً، في شكل كائناته الفضائية الحَشَري.. لدرجة أن سكان الأرض –في القصة- قد اصطلحوا على تسميتهم بـ “الجراد”*. كما وأن غزاة الفضاء هؤلاء يظلون، وكما تقتضي الأصول، متقدمين عنّا تقنياً بشكل لا يوصف.. بدليل أنهم هم الذين وصلوا إلينا أولاً. وحضارتهم الفائقة أنتجت مركبات خارقة للسفر عبر المجرات، وأسلحة بيولوجية لا تعمل إلا بين أيديهم. إلى هنا وهذا كله “تقليدي” ومكرّر بل ومقصود من قبل المخرج. لكن “الحركة” في هذه الحبكة بأسرها تكمن في أن هذه الصراصير الفضائية العاقلة قد “تورطت” على كوكبنا.. وأنها كلها بتعدادها البالغ 1.8 مليون نسمة قد وقعت في أسرنا.. وصارت لاجئة قسراً على حكومة جنوب أفريقيا!

وهذا اختراق شنيع.. وباهر.. لنمطية قصة الخيال العلمي. ودليل على قدرة المعالجة الذكية على إحياء أي فكرة مستهلكة. لأن العادة جرت بأن يقع البشر مباشرة في قبضة الاحتلال الفضائي.. الذي غالباً ما يكون دموياً ويضع الجنس البشري على شفير الانقراض. كما وأن الحبكات القديمة علمتنا أن بني الإنسان في أحسن الظروف سيقاومون الغزو لينجحوا بفضل الله ثم إرادة المخرج والبطل في إزالته خلال 48-72 ساعة. هناك معالجات أكثر “ابتكاراً” تفترض أن يحط في ربوعنا مستكشف فضائي وحيد هو طليعة غزو ما.. وأن يقع هذا المستكشف أسير ظروفنا لتعمل بطلة ساحرة العينين على مساعدته في العودة لعالمه؛ طبعاً بعد إقناعه بلاجدوى حرب النجوم هذه.. هذه كلها قديمة. لكن أن يأتي “مليون” كائن فضائي معاً.. وأن تفشل خطة غزوهم بسبب خلل فني طرأ على مركبتهم الأم فيقعوا تحت رحمة حكومات الأرض.. وأن تتكون عبر ثلاثين عاماً مخيمات لاجئين من هؤلاء الفضائيين العالقين على كوكب الأرض وذراريهم وذراري ذراريهم، وأن تُقرأ هذه الصورة كلها على ضوء القيم الإنسانية المعاصرة: العولمة ورأس المال والمصلحة السياسية والتفرقة العنصرية.. ناهيك عن الحب والصداقة.. إلخ.. فهذا كله جديد.. وبديع جداً!

(القطاع ٩) هو اسم الـ Ghetto الذي تم حشر “الصراصير” به.. لعزلهم عن باقي البشر. وهي مهمة تكفلت بها حكومة جنوب أفريقيا، بصفتها الدولة التي حط بها الفضائيون، وبدعم من منظمة دولية اسمها MNU. وهذه الحبكة ليست اعتباطية ولا عشوائية. فمسمى (القطاع التاسع) مستوحى في الأصل من (القطاع ستة)؛ وهو مكان حقيقي كان موجوداً أيام حكومة (الأبارتايد) العنصرية لعزل السكان البيض عن السود. في الفيلم فإن إدارة MNU هي أيضاً إدارة ثاني أكبر مؤسسة لصنع السلاح في العالم. الصراصير الفضائية جاءت بأطنان وأطنان من الأسلحة لغرض غزو الأرض في الأصل. لكن كل أجهزتهم تستمد طاقتها من المركبة الأم التي تعطلت وبقيت معلقة في سماء (جوهانسبرغ) لأكثر من عشرين سنة. هذه مشكلتهم.. أما مشكلة مصنعي الأسلحة البشر فأنهم لا يستطيعون أن يستفيدوا من هذه التكنولوجيا الفضائية الخارقة لأن أجهزة الفضائيين لا تتفاعل إلا مع بصمتهم الوراثية.. وهي ليست أكثر من خردة في اليد البشرية. المنظمة الدولية ليست إذاً إلا غطاءاً لإدارة تجارة السلاح وتجارة البشر.. أو الصراصير الفضائية في هذه الحالة. لأن مخيمات اللاجئين الاستثنائيين هذه ستعاني من كل مشاكل المخيمات وأكثر: جريمة منظمة واستغلال جنسي وتهريب وفساد على كل مستوى ممكن.. ناهيك عن التجارب العلمية على أجساد الفضائيين المخطوفين!

لوهلة ومع بداية الفيلم.. فإنه سيبدو من الجميل حقاً أن يقرر البني آدميون تسكين الغزاة الفضائيين واستضافتهم. لكن هذه اللفتة الإنسانية سرعان ما ستنكشف على حقيقتها. وسيظهر أن هذا المخيم الكبير ليس سوى جحيم يعيش به الفضائيون أوضاعاً مزرية تنزل بهم لحضيض متناقض بشكل مريع مع حضارتهم الفائقة. فهم بالنسبة للبشر لم يعودوا غزاة ولا كائنات مخيفة.. إنهم مجرد حشرات كبيرة الحجم يتم سحقها بكل أريحية وبلا توفير. وقيمتهم الآدمية -إن صح التعبير- ممسوحة تماماً.. لنتذكر أن هؤلاء هم في النهاية كائنات عاقلة لها حقوق قانونية كما قرر البشر أنفسهم. لكن هذا كلام على الورق فقط. وهذه صفعة كبيرة يوجهها الفيلم لحضارتنا بأسرها. فنحن في المواقف -الخيالية- المماثلة تعودنا على لعب دور الضحية المغلوبة. لكن ماذا لو تمكنّا نحن من الفضائيين؟ إننا لن نكون أقل وحشية واستغلالية. في بداية الفيلم والذي تم إخراجه على النمط الوثائقي، تحتج امرأة ما على الأموال التي “تهدر” على إيواء الفضائيين في تلك المزابل وتطالب بأن يتم إنفاقها لحل مشاكل البشر. هذه كلها إسقاطات وقراءات لواقعنا المعاصر. كما وأنها تذكرة قاسية بالهم “الحقيقي” الذي يشغلنا كبشر في نهاية المطاف. نفس الشيء ينطبق على الفضائيين أيضاً.. لأنهم وبعد عقود من العيشة المنحطة قد فقدوا أي طموح استعمارية.. وصاروا لا يريدون من الحياة إلا أن يعودوا لديارهم. أي أننا ككائنات عاقلة -أو كبشر من خلفيات مختلفة.. في قراءة أخرى- تجمعنا هموم أساسية ملحّة.. وإن كانت حضاراتنا الباذخة مفعمة بالهراء.

هذا الفيلم يخاطبنا مباشرة، وإذا كان المنتج والمخرج يوظفان جنوب أفريقيا لخدمة قضية ما، فإني شخصياً كنت أستحضر فلسطين في كل المشاهد! منظر الفضائيين في المخيمات البائسة، والطريقة التي يتم ترحيلهم بها قسراً من قطاع لقطاع، ورخص قيمتهم عند البشري المسيطر. هذه كلها كانت رسائل مباشرة حملها الفيلم لي. في الفيلم فإن هناك مركبة فضائية عملاقة معلقة في السماء بانتظار التصليح تمثل أمل العودة للصراصير الفضائية.. من يضمن للاجيء الفلسطيني أو العراقي أن يعود يوماً لوطنه؟!


————–

* في الواقع فإن كلمة Prawns تعني “جنادب”.. لكني أرى أن “جراد” أو حتى “صراصير” تخدم القيمة البلاغية أكثر!



نقلاً عن مدونة " أشرف إحسان فقيه " : محاضر بقسم علوم الحاسب الآلي والمعلومات، بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. حصل على درجة الماجيستير في علوم الحاسب الآلي من جامعة Texas A&M الأميركية. حالياً طالب دكتوراه بجامعة Queen’s الكنديّة.

نشر بتاريخ 20-01-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 5.22/10 (126 صوت)


 



توقيت مكة المكرمة

توقيت جرينيتش


 

 

 
المقالات ϖ الأخبار ϖ المنتديات ϖ الرئيسية
Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.astronomysts.com - All rights reserved