في ثنايا علم الاحتمالات توجد (معادلة دريك – Drake Equation)، والتي ظهرت عام ١٩٦١ في إطار مشروع أكبر اسمه SETI كان مكرساً للبحث عن حياة عاقلة على كواكب أخرى.
المعادلة مباشِرة وسهلة، وهي نتاج مضروب العناصر التالية:
حيث يمثل المجهول N العدد المحتمل للحضارات الذكية التي يمكن أن نتواصل معها في نطاق مجرتنا درب التبانة.
والموضوع ليس هزلياً بتاتاً البتة. بل إن عناصر معادلة دريك هذه قد تمت مناقشتها -بالقبول أو والرفض- مطولاً عبر عشرات السنين من قبل قامات فكرية وعلمية مثل (كارل ساگان) و (مايكل كرايتن).. وغيرهما.
المعادلة بذاتها ليست ما سأتكلم عنه هنا.. وإنما السياق الذي تعرفت عليها عبره، وهو كتاب يطرح السؤال التالي بكل جديّة وحيادية علمية: هل يمكن أن تكون قصة ولادة (سوپرمان) على كوكب (كريپتون) ومن ثم وصوله رضيعاً لكوكب الأرض لينمو متمتعاً بقوى خارقة؛ هل يمكن أن تكون هذه القصة قابلة للتحقق؟!
يهدف كتاب (علم الأبطال الخارقين)، الموجّه للكبار وليس الناشئة، ومثله (فيزياء الأبطال الخارقين) -وكتاب ثالث عن علم الأشرار الخارقين- للإجابة على مثل هذه الأسئلة وكشف حقيقة “هبلها”.. إنما بأسلوب علمي مؤصل:
هل تحوّلنا أشعة گاما لكائنات خضراء عملاقة كما حصل مع (بروس بانر)؟ أو هل سيؤدي تعرضنا للأشعة الكونية لتغيرات جذرية في تكوين أجسادنا كما حل بـ (الرباعي الخيالي)؟ هل يمكننا أن نطور قدراتنا لنتنفس تحت الماء أو نتخاطب تخاطرياً مع كائنات البحار كما يفعل (الرجل المائي)؟ هل يمكن أن يتحصل أحدنا على قدرات عنكبوتية: ينسج شباكاً ويتسلق الجدران ويتمتع بحاسة حدس الخطر؟ أصلا هل عند العناكب حاسة حدس؟ ما ذا سيحل بأحدنا لو تمكن -حقاً- من مضاعفة حجم جسده ليصير طوله 60 قدم مثل (هانك پيم)؟ وماذا لو صار دقيقاً كما (الذرّة).. هل يمكن أن نتنقل حينها عبر مقسمات الهاتف كما يفعل هذا الأخير في القصص؟ هل يمكن أن يوجد فعلاً حزام الوطواط بكل اختراعاته وأعاجيبه التقنية التي أنقذ صاحبها من أحلك المواقف؟ وكيف ندحض -علمياً- مزاعم (الوميض) الذي تُقرر مغامراته المصورة بأنه يمكنه الركض أسرع من الصوت بل والتنقل عبر الزمن عبر مضاعفة سرعته لتخترق حاجز الضوء؟! وماذا عن متحوّري (عالم X)؟ هل يمكنن أن نمط نظرية النشوء والتطور ونستشرف مستقبل الهندسة الوراثية لنتخيل قدرات فوق بشرية مثل التي تبشر بها قصصهم؟
كل تلك التساؤلات أعلاه هي محض هبل خيالي.. لا يستوجب عناء التفكير ولا يستحق هدر الوقت في مجرد قراءتها. هذه طريقة في التعاطي مع المسألة. وهناك طريق ثانية مدهشة وثرية أيضاً اسمها: الطريقة العلمية في الرد.
عبر قراءتي في كتاب The Science of Superheroes فإني لم أتوقف عن الاندهاش والاستمتاع. كنت مستمعاً لأني أحب هذا النوع من القصص والكتاب أعطاني خلفية ممتازة عن تطورها التاريخي كشخصيات وكصناعة ترفيهية أيضاً، وربطها لي بتطور كتابة الخيال العلمي في الغرب. ذاك كان الشق الممتع. أما الفائدة ففي القيمة العلمية الكثيفة التي تلقيتها. فلكي تثبت أن أشعة گاما مثلاً لايمكن أن تكسبنا قوى خارقة كما حصل مع الرجل الأخضر، فإنك ستحدثني عن فيزياء المواد المشعة وعن النسيج الحي. كي تفند لي أكاذيب X-Men، فإنك ستشرح لي نظرية التطور بالتفصيل الممل.. وكي تجادلني في عبثية القول بوجود كواكب مأهولة أخرى في الكون، فإنك ستحاضرني في علوم الفلك والاحتمالات والأحياء المجهرية.
لكن هذه هي نصف الفائدة فقط. النصف الآخر والأهم كان في كيفية التعاطي مع “الهبل”.. علمياً! والأمر ليس متوقفاً على القصص المصورة وخزعبلات الخيال العلمي التي لا تليق بالعقلاء.. كما يؤمن الكثيرون. المسألة هي في كيفية طرح الرأي العاقل.. إنها في منهجية الخطاب المضاد نفسه.. وفي تعلم كيفية مقارعة الحجة بالحجة بدون تسفيه الطرف المقابل. وأنا كتبت كل هذه التدوينة لأعبر عن هذه النقطة بالذات.
لا يحتاج الأمر لأن يستضيفك تركي الدخيل -أو عبدالعزيز قاسم بذاته- في برنامج حواري كي تستحضر هذه النقطة. وليس من الضروري أن تكون كاتب مقال مشاغباً أو تيّارياً أصيلاً كي تستشعر مدى فداحة علاقتنا بالنهج العلمي في التفكير والحوار -عِلمي أي خاضع لأرقام وقرائن واستدلالات وإقصاءات تقود لنتيجة منطقية قابلة للاختبار-. كي تدرك كم نحن لا منتمون لهذا المنهج تأمل فقط كيف يرد الأب منّا على ابنه إن سأله: “لماذا السماء زرقاء؟” أو “لماذا يتبعنا القمر ونحن في السيارة؟”.. إنه أما سيطالبه بأن يخرس.. أو سيصرف له إجابة من نوع: “لأن الله خلقه هكذا”. وهذا جواب صحيح ولا شك عقدياً، إنما الله تعالى أمرنا في القرآن أن “نتفكر” في ملكوت السماوات والأرض وأن نبحث عن إجابات.. نبحث وليس “نردد”!
أعتقد أن مثل هذه الكتب تحمل لنا إجابات لأكثر من سؤال، حول كيفية تشكيل العقليات البحثية المتسائلة. وحين يكون مستوى الطرح العلمي رائعاً ومتسلسلاً هكذا في كتاب “هزلي” -في المظهر وليس المتن- فإننا سنفهم كيف تضافر العلم مع الأدب والترفيه في ترسيخ القيمة التساؤلية في المجتمعات الغربية عبر السنين. كما وأن الكتاب يجرنا مجدداً للتفكير في قضايا التعليم وتطوير المناهج. هل يمكن أن يترجم ثمة كتاب؟ وأن يكتب بلغة لا ينفر منها القارئ العربي البالغ الباحث عن المعرفة والتسلية؟ أصلاً هل تشكل المعرفة قيمة مسليّة عندنا؟ هذا هو السؤال الأهم من أصل (سوبرمان).. أو كيفية تحول (بروس بانر) لعملاق أخضر هائج إذا ما أغضبه أحد أو استثاره بسؤال غبي!
نقلاً عن مدونة " أشرف إحسان فقيه ": محاضر بقسم علوم الحاسب الآلي والمعلومات، بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. حصل على درجة الماجستير في علوم الحاسب الآلي من جامعة Texas A&M الأميركية. حالياً طالب دكتوراه بجامعة Queen’s الكنديّة.